«هل من أحد هنا؟».. مبنى "السعادة" يتحوّل إلى مقبرة جماعية بين خيام الموت ومقصلة الإسمنت

← العودة للمدونات
«هل من أحد هنا؟».. مبنى "السعادة" يتحوّل إلى مقبرة جماعية بين خيام الموت ومقصلة الإسمنت
Dr. Hussein Hamad
Dr. Hussein Hamad
• 16 سبتمبر 2026

«هل من أحد هنا؟».. مأساة مبنى "السعادة" والفرار من خيام الموت إلى مقصلة الإسمنت

أمام صرخات الطفلة تحت الركام ونداءات رجال الدفاع المدني، كان لا بد من الكتابة..

هذا النداء الذي ما زال يتردد في أسماعنا منذ صباح الأربعاء السادس عشر من سبتمبر: «هل من أحد هنا؟».. لم يكن نداءً عاديًا من رجال الدفاع المدني وسط ركام مبنى "السعادة" الذي انهار فجأةً على رؤوس ساكنيه؛ بل كان صرخةً مبحوحة تبحث عن بقايا حياة تحت أطنان الإسمنت، وتبحث في الوقت ذاته عن بقايا ضمير في عالمٍ يكتفي بالتفرّج.

وتحت الركام الموحش تجسّدت المأساة في عيني طفلة صغيرة ابتلعتها فكّا سقفين إسمنتيين منهارين؛ كانت تتوسّل النجاة بدموعٍ مزجت رعب الموت بالأمل في الحياة، بينما كانت أيدي رجال الإنقاذ العارية تنبش الصخور بلا هوادة، في معركةٍ ضد المستحيل بلا آلات ولا معدات. ومن المفارقات القاسية أن ينهار مبنى يحمل اسم "السعادة" ليتحوّل إلى مقبرة جماعية لمن لجؤوا إليه، في مشهدٍ يختصر وجع مدينةٍ تُسحق تحت أطنان الخذلان والموت.

خيام الموت والخيار الصفري

أمام هذا المشهد الدامي، يفرض السؤال المؤلم نفسه: ما الذي يدفع عائلات بأكملها إلى السكن في منازل ومبانٍ سكنية مدنية دمّرتها آلاف الأطنان من المتفجرات وقد تنهار في أي لحظة؟

الجواب يكمن في قسوة البدائل وانعدام الخيارات. فقد بات المواطن الفلسطيني محاصرًا بين نارين: نار النزوح في خيامٍ لا تصلح لعيشٍ كريم، ونار الاستغلال.

لقد عشتُ هذا الواقع المأساوي عن قرب حين زرتُ أهل زوجتي الذين اضطرّتهم الظروف إلى نصب خيمتهم بجوار ركام منزلهم المدمّر في مدينة غزة. هناك لمستُ الحقيقة: الخيمة ليست ملاذًا، بل هي الموت البطيء بعينه؛ حرٌّ لا يرحم يشوي الأجساد، أو بردٌ قارس ينخر العظام، وانتشارٌ مرعب للحشرات والقوارض بسبب غياب المبيدات، وأمراضٌ تتربّص بالأطفال.

ورغم كل محاولات التجميل والترتيب المصطنعة، يظل الخطر المحدق مُعلّقًا فوق الرؤوس، حيث تُهدَّد حياة الأطفال ببقايا حجارة معلّقة في الركام، وبحوافّ إسمنتية واهنة تنتظر أول هزّة لتنقضّ على الخيمة وساكنيها.

من يستطيع.. يدفع!

وإذا قرر هذا النازح الفرار من جحيم الخيمة والبحث عن شقة تؤوي عائلته، اصطدم بجدارٍ من الاستغلال والظلم الصارخ من بعض أصحاب البيوت. ففي غياب الرقابة والمحاسبة، تحوّلت الإيجارات إلى مبالغ خيالية لا يقدر عليها من فقدوا مصدر رزقهم ومدّخراتهم، تحت شعارٍ قاهر: «هذا هو الموجود.. ومن يستطيع يدفع!». وهذه القسوة الاقتصادية هي ما يدفع السكان إلى العودة إلى منازل مدمّرة، مفضّلين المقامرة بأرواحهم تحت أسقفٍ متصدّعة على الموت قسرًا في العراء.

جغرافيا الدمار ولغة الأرقام

هذه المأساة ليست مجرد حادثٍ عابر، بل هي النتيجة المباشرة لسياسة تدميرٍ نفّذها الاحتلال الإسرائيلي خلال حرب الإبادة، والتي حوّلت قطاع غزة إلى حقلٍ مليء بالقنابل الموقوتة والقبور المؤجّلة. وبلغة الأرقام التي توثّق حجم الجريمة:

  • 80 ألف طن من المتفجرات؛ ألقاها الاحتلال على قطاع غزة، بقوة تدميرية تفوق عدة قنابل نووية، ما أدى إلى تدمير البنية التحتية والأسس الهندسية للمباني.

  • 150 ألف وحدة سكنية؛ دُمّرت بالكامل وسُوّيت بالأرض.

  • من 200 إلى 250 ألف وحدة سكنية؛ تضرّرت بشكل جزئي أو بالغ.

  • نحو 3000 مبنى متصدّع؛ مصنّفة هندسيًا كمنشآت غير مستقرة مهدّدة بالانهيار، وفق بلاغات الدفاع المدني.

  • عشرات الشهداء؛ قضوا تباعًا في انهيارات متفرقة لهذه المباني الآيلة للسقوط، ليُضاف إليهم الآن شهداء مبنى "السعادة".

نداءات عاجلة لإنقاذ أرواح معلّقة بخيط رفيع

أمام هذا التهديد المستمر لحياة مئات الآلاف، لم تعد الإدانة وحدها كافية؛ بل بات واجبًا على المجتمع الدولي ومؤسسات الأمم المتحدة التدخل الفوري وفرض واقع إنساني ينقذ ما يمكن إنقاذه، عبر خطواتٍ عملية وعاجلة:

  1. الضغط لإدخال مواد البناء، والسماح بترميم ودعم المنازل المتضررة جزئيًا التي لا تزال قابلة للإنقاذ، وتوفير بيئة سكنية آمنة تحمي السكان من خطر الانهيارات المفاجئة.

  2. توفير وإدخال الكرفانات (المنازل المتنقلة)، كحلٍّ سكني عاجل ومؤقت يوفّر الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية وبديلًا آمنًا عن خيام الموت البالية، ويجنّب السكان اللجوء إلى المنشآت المتصدّعة.

  3. السماح بإدخال الآليات والمعدات الثقيلة، لتمكين فرق الدفاع المدني من رفع الركام، وإزالة المباني بالغة الخطورة والمهدّدة بالانهيار التي تهدد حياة المارّة والنازحين، والأهم؛ إنقاذ الأرواح العالقة تحت الركام، بدلًا من تركها تموت بصمت.

إن دموع تلك الطفلة، المحتجزة بين فكّي الإسمنت، ونداء «هل من أحد هنا؟»، ستبقى وثيقة إدانة تاريخية مزدوجة؛ إدانةٌ لاحتلالٍ يزرع الموت ويدمّر مقوّمات الحياة، وإدانةٌ لواقعٍ داخلي تغيب فيه الرقابة، ووصمة عارٍ في جبين مجتمعٍ دولي يشاهد هذه المسلخة المفتوحة صامتًا.

إن غزة اليوم لا تُسحق بالصواريخ وحدها، بل بالخذلان واليأس والبدائل القاتلة أيضًا.

شكراً للقراءة. المزيد من القصص قريباً.

جديد أيضًا

آخر ما نشرناه على الموقع

عرض كل المستجدات