الركض خلف التعليم: معركة الوعي في غزة

← العودة للمدونات
الركض خلف التعليم: معركة الوعي في غزة
Dr.Hussein Hamad
Dr.Hussein Hamad
• 19 سبتمبر 2026

في قطاع غزة، لم يعد ذهاب الطلبة إلى المدرسة طقسا اعتيادياً ولا حقاً بديهياً. إنه صراع شرس على الوجود ذاته: معركة الوعي التي يخوضها الفلسطينيون بأرواحهم وبمستقبل أبنائهم. على هذه الأرض، قرر الآباء والأمهات تحدي قوة الاحتلال الإسرائيلي وحرب الإبادة وآلة القتل والتدمير. يفعلون ذلك بمزيد من الوعي، في مواجهة سياسة التجهيل المتعمد والمحو الممنهج، وبقدسية التعليم، وبإحباط مخططات التهجير والاقتلاع عبر البقاء والصمود فوق الركام. إن الركض خلف التعليم بين أشلاء الخيام، تحت أزيز الطائرات ودوي القصف، ليس أقل من إعلان صريح للتحدي في وجه مقصلة الإبادة. إنه الإيمان العميق بأن كل طفل يمسك قلمه يبني جداراً للمستقبل، وأن كل حقيبة مدرسية تُنتشل من تحت الركام وثيقة بقاء لا تقبل المساومة.

الجريمة مستمرة

لفهم حجم الكارثة التعليمية مع بداية العام الدراسي 2026/2027، لا بد من النظر إلى الأرقام التقديرية التي تعكس عمق المأساة. فأكثر من 85% من المباني المدرسية (الحكومية والتابعة للأونروا) دُمرت بشكل ممنهج، أما المدارس القليلة الناجية فتحولت إلى مراكز إيواء مكتظة بالنازحين:

  • أكثر من 630 ألف طالب وطالبة يحاولون شق طريقهم نحو التعليم في ظروف مستحيلة، موزعين تقريباً بالتساوي بين ذكور وإناث.

  • أكثر من 1200 نقطة تعليمية أُقيمت كبدائل يائسة في الساحات وبين أزقة المخيمات. معظمها خيام أو شوادر لا تقي حراً ولا برداً.

  • نحو 250 ألف طالب وطالبة، تقديرياً، سُجلوا في التعليم الإلكتروني عبر الروابط الرسمية، في محاولة للتشبث بأي أمل، رغم انعدام مقومات هذا النوع من التعليم.

التعليم طوق نجاة

قد يتساءل البعض: ما الذي يدفع عائلة نازحة، تفترش الأرض وتلتحف السماء، إلى الإسراع بتسجيل أبنائها في نقاط تعليمية تفتقر إلى أبسط المقومات؟

الجواب أن التعليم لم يعد مجرد طريق للنمو الفكري، بل صار الاستثمار الوحيد والأخير لهذه العائلات. فبعد سنوات الإبادة، فقدت الأسر بيوتها ومصادر دخلها ومدخراتها، وبات كل شيء معلقاً على تعليم الأبناء والبنات. يأملون أن يبنوا مستقبلاً مهنياً يوفر لهم عملاً مناسباً، فيصبحوا طوق النجاة الذي يعيد للأسرة كرامتها المهدورة، ويحقق آمالها، ويؤمّن مصروفها اليومي الذي صار حلماً بعيد المنال.

جراح غائرة تتجاوز غياب الجدران

لا تقتصر أزمة التعليم في غزة على المباني المدمرة، بل تطال كل جزء من العملية التعليمية. ويمكن تلخيصها في عدة أبعاد لطالما حذّرنا منها:

أولاً: النقاط التعليمية الوجاهية

تفتقر هذه النقاط إلى أبسط شروط البيئة التعليمية الآمنة. معظمها خيام مهترئة تتحول في الصيف إلى أفران حامية تلفح أجساد الأطفال، وفي الشتاء إلى ثلاجات غارقة تجمّد أطرافهم. لا مقاعد ولا ألواح ولا وسائل تعليمية ولا مرافق صحية لائقة.

ويُضاف إلى ذلك البعد النفسي الخانق. كيف لعقل طفل فقد زميله أو معلمه شهيداً، أو يعيش تحت الطنين المرعب لطائرات الاستطلاع، أن يستوعب معادلة رياضية؟ كما يغيب الكادر التعليمي المتخصص، فبادر كثير من الخريجين الجدد إلى التدريس. ورغم نبل مسعاهم، فإنهم يفتقرون إلى الخبرة التربوية اللازمة لاحتواء أطفال يحملون صدمات حرب مركبة.

وفي هذا الفراغ، برزت ظاهرة قاسية: تجارة التعليم. فقد انتشرت المراكز والمدارس الخاصة مدفوعة الأجر كالفطر. وهذا الاستغلال الفج للأزمة يُثقل كاهل أرباب أسر منهكين أصلاً، يضطرون إلى اقتطاع لقمة عيشهم وإنفاق ما لا يملكون، أملاً في تأمين تلك الفرصة الأخيرة لأبنائهم.

ثانياً: السراب الرقمي

رغم التسجيل والإقبال الكبير، يصطدم التعليم الإلكتروني بواقع مرير: انقطاع متواصل للتيار الكهربائي، وشبكات إنترنت ضعيفة أو معدومة. ويعاني الطلبة كذلك من نقص حاد في الأجهزة الذكية (هواتف وحواسيب وأجهزة لوحية)، وهو نقص مفروض بقوة السلاح، إذ تمنع قوات الاحتلال الإسرائيلي إدخالها إلى القطاع. والنتيجة فجوة أعمق: يصبح التعليم امتيازاً لمن يملك جهازاً وطاقة، بينما يبقى عشرات الآلاف في العتمة الرقمية.

طموح يعانق السماء وواقع يكبّله الركام

وسط هذا المشهد القاتم، تقف طفلتي "رسيل" على عتبة عامها الدراسي الأول. عيناها تلمعان بطموح يتجاوز حدود سماء غزة المحاصرة. تخطط لمستقبلها منذ الآن، وتخبرني بلهفة أنها تريد أن تصبح طبيبة. لكننا، كآباء، نبتلع غصة الخوف، فلا نعلم ما يخبئه لنا القدر في مدينة تُغتال فيها الأحلام كل يوم.

سجّلنا رسيل عبر الرابط الإلكتروني الذي أقرته وزارة التربية والتعليم للالتحاق بالصف الأول الابتدائي، وانتظرنا طويلاً. لكن، كحال آلاف الأسر، لم تصلنا أي رسالة بشأن المدرسة أو النقطة التعليمية الأقرب إلى مكان نزوحنا.

إن أزمة التعليم في قطاع غزة تتجاوز النقص في الغرف الصفية أو انقطاع شبكات الإنترنت. إنها حلقة خطيرة في سلسلة الإبادة الجماعية التي تهدف إلى اقتلاع الإنسان الفلسطيني وتدمير مستقبله. وبين فكّي استغلال تجار الأزمات، وقسوة مدارس الخيام، وسراب التعليم الإلكتروني، تقف العائلات الغزية وحيدة، تتشبث بالتعليم كطوق نجاة أخير.

غداً، حين أمسك بيد طفلتي رسيل وأتوجه إلى إحدى النقاط التعليمية القريبة، لن أذهب لتسجيلها فقط. سنخوض معاً غمار معركة الوعي، وسنقف هناك لنثبت للعالم أجمع أن المريول المدرسي، حتى وإن تعفّر بغبار الركام، يبقى أقوى من آلة الحرب، وأن أحلام أطفالنا بأن يصبحوا أطباء ومهندسين ومعلمين هي الرد الأقوى والأبقى على مقصلة الإبادة والتجهيل.

شكراً للقراءة. المزيد من القصص قريباً.

جديد أيضًا

آخر ما نشرناه على الموقع

عرض كل المستجدات