تراجيديا موت بطيء في قطاع غزة
في قطاع غزة، لم تعد ألوان الطيف سبباً للأمل، بل تحولت إلى مصطلحات عسكرية ترسم حدود الدم والموت. منذ إعلان "اتفاق التهدئة" في أكتوبر 2025، ابتكر الاحتلال الإسرائيلي مسميات جغرافية جديدة للقطاع، قائمة على تقطيع المناطق وفرض مناطق عازلة وحصار تحت رموز لونية؛ وأبرزها وأشدها دموية هو "الخط الأصفر".
يدفعني الحنين دائماً لزيارة مخيم جباليا، وتفقد مسقط رأسي، حيث ألتقي بالسكان والأقارب والأصدقاء، وأستمع لقصصهم، وأعاين عن كثب تفاصيل هذه الحياة التي لا تشبه الحياة. هناك، حيث لا يتوقف دوي القذائف ولا يهدأ صفير الرصاص، تتكشف أقسى فصول مأساة مدنيين تُركوا يواجهون مقصلة الموت اليومية.
الاختناق من الأصفر إلى البرتقالي
يمثل الخط الأصفر مناطق السيطرة الفعلية والتوغل المستمر لقوات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة. يمتد هذا الخط كأفعى سامة تبتلع الجغرافيا؛ بدءاً من شمال مدينة بيت لاهيا، ومدينة بيت حانون بالكامل، مروراً بشرق مدينة جباليا، ومحافظتي غزة ودير البلح، وصولاً إلى شرق محافظة خان يونس، قبل أن يلتف جنوباً ليبتلع ثلثي مساحة محافظة رفح.
ورغم الادعاءات بوجود تفاهمات، لم يتوقف توسع هذا الخط. تؤكد بيانات الأقمار الصناعية التابعة لمركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية (UNOSAT) وتقارير منظمة الأغذية والزراعة (FAO) والمؤسسات الحقوقية أن هذا التوسع العسكري قد ابتلع الآن أكثر من 65% من إجمالي مساحة القطاع، وأن نحو 95% من الأراضي الزراعية أصبحت خارج الخدمة بالكامل (بما يشمل تدمير الدفيئات والبساتين على طول الحدود الشرقية والشمالية)، مما يكرّس سياسة التجويع ويدمر السلة الغذائية بالكامل.
ولم تكتفِ قوات الاحتلال بذلك، بل استحدثت للمؤسسات الدولية خطاً آخر هو "الخط البرتقالي". يشمل هذا التصنيف المناطق المحاذية للخط الأصفر التي عاد إليها السكان - مثل بيت لاهيا، ومخيم جباليا، وجباليا البلد، والتفاح، والشجاعية، والبريج، والمغازي، والمصدر، ودير البلح، ووادي السلقا، والمنطقة الشرقية لخان يونس. في هذه المناطق البرتقالية، يُحظر على المؤسسات الإنسانية الدولية العمل دون تنسيق أمني مسبق مع الاحتلال (الذي غالباً ما يُرفض). هذا التعنت الممنهج يعرقل وصول الخدمات الإنسانية الحيوية، ويحكم بالإعدام البطيء على كتلة بشرية تُقدَّر الإحصاءات الميدانية عددها بنحو 400,000 نسمة - منهم حوالي 100,000 في شمال غزة - يعيشون في ظروف انعدام تام للأمن الغذائي والصحي.
العودة إلى حافة الموت
أمام هذا الواقع المرعب، يبرز سؤال جوهري: لماذا يصر آلاف السكان على البقاء أو العودة إلى بقايا منازلهم والخيام المنصوبة على ركام الخطوط البرتقالية وتخوم الخطوط الصفراء؟
الإجابة تكمن في طبيعة الإنسان الفلسطيني وواقعه المرير؛ إنها عودة مدفوعة بعدة عوامل قاهرة:
الارتباط الوجداني: التعلق العميق بمسقط الرأس والذكريات، ورفض فكرة الاقتلاع النهائي.
البنية الاجتماعية: الرغبة في البقاء ضمن الحاضنة العائلية الممتدة، حتى تحت الأنقاض.
العجز الاقتصادي: استحالة تحمل تكاليف النزوح المستمر، والعجز التام عن استئجار شقق أو حتى مساحات للخيام في مناطق الوسط والمواصي التي باتت مكتظة ومستنزفة اقتصادياً.
كوادكابتر وليالي بلا نوم
الحياة قرب الخط الأصفر هي حرفياً مقامرة بالروح. يخرج رب الأسرة أو الطفل من الخيمة أو من بين ركام المنزل بحثاً عن رغيف خبز، أو طعام من تكية، أو شربة ماء، دون ضمان للعودة. إطلاق النار العشوائي من الآليات المتمركزة لا يهدأ، والقصف المدفعي يستهدف كل ما يتحرك.
أما الرعب الأكبر فيتمثل في التحليق شبه اليومي للطائرات المسيّرة (كوادكابتر)، التي تحولت إلى وحش يتصيد المدنيين في الشوارع. ووفقاً لتوثيق المؤسسات المختصة، سقط عشرات الشهداء ومئات الجرحى منذ سريان ما يسمى بالتهدئة، كضحايا لعمليات قنص وقصف مباشر في مناطق الخطوط الصفراء والبرتقالية، حيث يُستهدف المدنيون عمداً أثناء ممارستهم لأبسط تفاصيل حياتهم اليومية، مما يرفع فاتورة الاستنزاف البشري يومياً.
وعندما يُسدل الليل ستاره، تبدأ سلسلة من الرعب النفسي والمادي: لا أمن، لا هدوء، ولا نوم. أصوات الطائرات المختلفة تخترق الآذان، والتوغلات المباغتة للآليات تحت جنح الظلام تضع الجهاز العصبي للسكان في حالة تأهب مرضي مستمر، في مشهد يمثل أقسى درجات التعذيب النفسي الجماعي.
إن استمرار تغاضي المجتمع الدولي عن هذه الهندسة الجغرافية المميتة، وتحويل معاناة مئات الآلاف من البشر إلى مجرد نقاط ملونة على خرائط المنظمات الدولية، هو اشتراك فعلي في الجريمة. الحياة قرب الخط الأصفر ليست حياة - إنها غرفة إعدام مفتوحة، تنتظر من يكسر جدرانها ويوقف هذا النزيف المستمر فوراً. فالحياة هناك لا تحمل من اسمها سوى حروفه فقط.