مرضى وجرحى غزة: تحويلات مكتملة وحقّ مؤجل في الحياة

← العودة للمدونات
مرضى وجرحى غزة: تحويلات مكتملة وحقّ مؤجل في الحياة
Dr.Hussein Hamad
Dr.Hussein Hamad
• 25 سبتمبر 2026

في قطاع غزة، لا تنتهي رحلة المريض أو الجريح عندما يصدر الطبيب قرار التحويل للعلاج بالخارج نظراً لعدم مقدرة المنظومة الصحية في القطاع على تقديم العلاج المناسب له، ولا عندما يكتمل ملفه الطبي، ولا حتى عندما يجد مستشفى في دولة أخرى مستعداً لاستقباله. الرحلة الحقيقية تبدأ بعد ذلك: قبول، وتنسيق، وموافقات، وعبور، وتفتيش، ثم سفر. وبين كل حلقة وأخرى يقف مريض ينتظر، بينما المرض لا ينتظر.

تكشف أحدث بيانات منظمة الصحة العالمية أن (12,913) مريضاً وجريحاً تمكنوا من مغادرة غزة للعلاج خارجها منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023 وحتى أغسطس/ آب 2026، نحو 47.9% منهم من الأطفال، وما يزال أكثر من (15000) مريض وجريح بحاجة إلى الإجلاء الطبي، بينهم أكثر من 3,800 طفل، بما يجعل الأطفال نحو ربع قائمة الانتظار الحالية.

هذه المقارنة وحدها تكشف حجم المأساة، حيث أن عدد من ينتظرون العلاج خارج غزة ما يزال أكبر من عدد من تمكنوا من الوصول إليه خلال ما يقارب ثلاث سنوات من الحرب. وبذلك لا تعود القضية إلى مجرد نقص في عدد عمليات الإجلاء، بل فجوة متراكمة بين الحاجة الطبية وقدرة النظام على نقل المرضى إلى العلاج.

التحويلة ليست تذكرة سفر

أخطر ما في ملف العلاج بالخارج أن التحويلة الطبية قد توحي للمريض بأن الطريق إلى العلاج أصبح مفتوحاً، بينما الواقع مختلف.

هناك قرار طبي، ثم ملف يحتاج إلى استكمال، ثم جهة علاجية يجب أن توافق على استقبال الحالة، ثم تنسيق للنقل، ثم موافقات وإجراءات عبور. وتتداخل في هذه العملية وزارة الصحة الفلسطينية، والجهات المعنية بالتنسيق، ومنظمة الصحة العالمية، والدول والمستشفيات المستقبلة، والسلطات الإسرائيلية.

طريق ضيق أمام قائمة انتظار

عمليات الإجلاء الطبي لا تجري بوتيرة تسمح بتصفية قوائم الانتظار بسرعة. ففي الفترة من الثاني إلى الثامن من أغسطس/ آب 2026، لم يغادر سوى 101 مريض و164 مرافقاً، رغم تنفيذ عمليات إجلاء ثلاث أو أربع مرات خلال الأسبوع.

والدلالة هنا ليست في الرقم وحده، بل في الفجوة بين حجم الاحتياج وسرعة الاستجابة. فإذا بقيت الوتيرة عند هذا المستوى، فإن قائمة الانتظار ستظل تتجدد؛ لأن الحالات الجديدة تضاف إليها، والحالات الموجودة تتغير احتياجاتها الصحية، وبعض المرضى قد لا يملكون الوقت الكافي للانتظار. وهذا ما يجعل الإجلاء الطبي جزءاً من العلاج نفسه، وليس إجراءً إدارياً منفصلاً عنه.

السلطات الإسرائيلية والتحكم في الحلقة الأخيرة

لا يمكن تحليل أزمة الإجلاء الطبي في غزة دون التوقف عند القيود الإسرائيلية على حركة المرضى والجرحى.

فحتى عندما يكون المريض بحاجة حقيقية إلى العلاج، ويكون المستشفى الخارجي مستعداً لاستقباله، تبقى عملية العبور مرتبطة بالموافقات والإجراءات الأمنية الإسرائيلية. وقد وثقت التقارير الحقوقية عمليات تفتيش وتأخير وعرقلة للمرضى والمرافقين والقوافل الطبية في مسار معبر رفح، بما في ذلك حالات احتجاز وتأخير أثناء إجراءات العبور.

وهنا يتحول المعبر من مجرد نقطة حدودية إلى حلقة من سلسلة العلاج، فإذا كان العلاج المطلوب غير متوفر في غزة، فإن منع المريض من الوصول إلى العلاج خارجها لا يعني تعطيل حركة شخص؛ بل يعني تعطيل إمكانية حصوله على الرعاية الصحية التي يحتاجها.

وتزداد خطورة ذلك عندما تكون الحالة حرجة أو عندما يكون العلاج مرتبطاً بموعد طبي لا يمكن تأجيله، خاصة مرضى السرطان والأمراض الخطيرة، فالمرض لا يتوقف أثناء انتظار الموافقة، والإصابة لا تتراجع بسبب تأخر التنسيق.

الرقم الأهم ليس من خرج بل من بقي

قد يبدو عدد المرضى والجرحى الذين خرجوا للعلاج بالخارج كبيراً، وهم 12,913 مريض وجريح، ولكنه يصبح أكثر دلالة عندما يوضع بجوار أكثر من 15000 مريض وحريح ما زالوا ينتظرون الإجلاء والعلاج.

فالأول يمثل من استطاعوا الوصول إلى العلاج، والثاني يمثل من لا يزال حقهم في الوصول إليه معلقاً،

ولا ينبغي أن يتحول هؤلاء المرضى إلى مجرد أرقام متغيرة في التقارير، فخلف كل حالة إنسان ينتظر علاجاً قد لا يكون متاحاً داخل القطاع.

الحق في الصحة لا يحتمل التأجيل

الحق في الصحة لا يعني أن يحصل المريض او الجريح على ورقة تحويل، ولا أن يوضع اسمه في قائمة انتظار، إنه يعني أن يتمكن فعلياً من الوصول إلى العلاج المناسب، وفي الوقت المناسب، وبطريقة آمنة وكريمة.

وحين تكون المنظومة الصحية داخل قطاع غزة عاجزة عن توفير علاج تخصصي، يصبح الإجلاء الطبي جزءاً من الوفاء بهذا الحق، وليس إجراءً استثنائياً.

لذلك فإن مسؤولية حماية مرضى غزة تبدأ بإعمار المستشفيات ومراكز الرعاية الطبية وانشاء مستشفيات جديدة وإنعاش المنظومة الصحية وتوفير العلاج داخل القطاع، وبفتح مسارات ث يلزم، وبضمان ألا تتحول الموافقات والمعابر والتنسيقات إلى جدران إضافية أمام المريض.

مرضى وجرحى تمكنوا من السفر، وما يزال الآلاف ينتظرون

خلف الأرقام تختفي أسئلة مشروعة كثيرة: كم مريض وجريح يجب أن ينتظر حتى يصبح حقه في العلاج متأخراً عن أن ينقذ حياته؟ فالتحويلة ليست علاجاً، والقبول ليس سفراً، والسفر ليس وصولاً؛ والحق في الصحة لا يكتمل إلا عندما يصل المريض إلى العلاج الذي يحتاجه، في الوقت الذي يحتاجه فيه.

شكراً للقراءة. المزيد من القصص قريباً.

جديد أيضًا

آخر ما نشرناه على الموقع

عرض كل المستجدات