"الزنانة"
تقاس الفظائع والجرائم المقترفة في الحروب بحجم الركام وأعداد الضحايا المرئيين، لكن في قطاع غزة، وفي خضم حرب الإبادة الجماعية التي تشنها قوات الاحتلال الإسرائيلي، تبرز زاويا متعددة خفية ومروعة من الانتهاكات تصنف ضمن الإبادة، ومن ذلك "الإبادة البيئية"، وحرب التلوث الصوتي، المتمثلة في التحليق الكثيف والمتواصل للطائرات الحربية بدون طيار بأنواعها المتعددة، والتي يطلق عليها الفلسطينيون محلياً اسم "الزنانة".
هذا الأزيز الميكانيكي المستمر يحدث ضجيج ليس عابر في خلفية المشهد، ويمثل أداة تعذيب سيكولوجي وعقاب جماعي مدروس، حيث يحول سماء غزة إلى غطاء خانق من الرعب والتوتر، ويدمر البيئة السمعية والنفسية لأكثر من مليوني إنسان.
لا تقتصر خطورة "الزنانة" على ما تحمله من صواريخ، بل في الترددات الصوتية التي تصدرها محركاتها، فوفقاً لمعايير منظمة الصحة العالمية (WHO)، فإن مستوى الضوضاء البيئية المسموح به والذي لا يسبب أضراراً صحية يجب ألا يتجاوز 45 إلى 55 ديسيبل نهاراً، و40 ديسيبل ليلاً لضمان نوم صحي وهادئ.
ومن الناحية العلمية لبيانات الطيران العسكري، تسجل طائرات الاستطلاع الإسرائيلية (مثل طراز "هيرمز 450" و"هيرمز 900") عند تحليقها المكثف والمنخفض مستويات ضوضاء تتراوح عادةً بين (70 إلى 85 ديسيبل)، وقد تتجاوز (90 إلى 100 ديسيبل) في حالات التصعيد والتحليق الهجومي المنخفض، وهو ما ينسف تماماً المعايير الصحية التي وضعتها منظمة الصحة العالمية.
لذا؛ يتخطى التحليق المنخفض والمكثف لأسراب الطائرات المسيرة في القطاع المعدلات المسموحة بأشواط كبيرة، حيث تستمر الضوضاء على مدار 24 ساعة دونما انقطاع، مما يخلق حالة من التلوث الصوتي المتطرف.
أجساد مستنزفة
إن التعرض المستمر والمطول لهذا التلوث السمعي له تداعيات فسيولوجية مدمرة وثقتها التقارير الطبية، وتتجلى في قطاع غزة عبر عدة مستويات:
* الحرمان المزمن من النوم:
* إجهاد القلب والأوعية الدموية:
* الإعاقة الإدراكية:
* متلازمة "الموت المعلق".
رغم قسوة هذا الواقع الممِرض، تتكشف أمامنا ظاهرة نفسية استثنائية ومعقدة تتمثل في قدرة جموع الفلسطينيين على التأقلم مع هذا التلوث الصوتي القاتل بشكل غريب وربما غير مفهوم للعين الخارجية.
في التفسير النفسي والعصبي، يعزى هذا السلوك إلى آليات دفاعية لا واعية يتخذها العقل البشري لضمان البقاء. عندما يتعرض الإنسان لضغط مستمر لا مهرب منه، يلجأ الدماغ إلى ما يُعرف بالتعود الحسي؛ حيث يقلل الجهاز العصبي المركزي من استجابته الانفعالية تجاه المحفز الصوتي المكرر (الزنانة) لمنع الانهيار العصبي الشامل.
هذا التكيف الاستثنائي يدفع العقل إلى ممارسة حيلة تطبيع الشذوذ؛ فيقوم بدمج صوت الطائرات ضمن أصوات الخلفية الطبيعية للحياة اليومية، تماماً كصوت الرياح أو أمواج البحر. ورغم أن هذا التأقلم يبدو كانتصار لإرادة البقاء الفلسطينية، إلا أن علم النفس يحذر من تكلفته الباهظة، فهو تأقلم سطحي ظاهري؛ فبينما يتجاهل العقل الواعي الصوت ليستمر في تفاصيل الحياة يظل العقل الباطن والجسد البيولوجي في حالة استنزاف واحتراق داخلي مستمر.
التعذيب بالضوضاء والإبادة البيئية
تشير التقارير الحقوقية، لا يمكن فصل هذا التلوث الصوتي عن سياق الإبادة البيئية الأشمل، حيث تعتبر هذه المستويات من الضجيج المستمر الذي يصنف كإزعاج بيئي، انتهاكات منظمة وجسيمة للحق في بيئة صحية وآمنة، والحق في الصحة العقلية والجسمانية، وهي حقوق تكفلها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
إن تعمد الاحتلال إبقاء هذا المستوى من الضجيج، وإشباع الفضاء الفلسطيني بهذا التلوث السمعي، يندرج ضمن سياسات العقاب الجماعي والتعذيب النفسي المحظورة بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب ووفقا للقانون الدولي الانساني لا سيما اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية المدنيين وقت الحرب.